محمد أبو زهرة

1464

زهرة التفاسير

وقد رد سبحانه وتعالى ذلك عليهم بقوله : قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ أي أن اللّه سبحانه قدر الأمور تقديرا ، ولكلّ أجل كتاب ، فأولئك الذين كتب عليهم أن يقتلوا في الميدان ، لا بد أن يقتلوا ، فلو كنتم في بيوتكم ، لخرجوا إلى الأماكن التي قتلوا فيها وقتلوا ، ومعنى « برز » أي خرج من مكمنه المستور الذي لا يظن الخروج منه ، والمضاجع جمع مضجع ، وهو مكان النوم ، والمراد هنا مكان قتلهم الذي قتلوا فيه وصرعوا وناموا إلى يوم البعث والنشور ؛ وهو المكان الذي خرجوا إليه في أحد وماتوا فيه ، وفي هذا يدعوهم رب البرية أن يستسلموا لحكمه ، ويخضعوا لقدره ، ويرضوا به ، ويطمئنوا إليه ؛ لأن الاطمئنان إلى القدر بعد أخذ الأسباب رضا بحكم اللّه وقبول لإرادته في خلقه ، وعدم الرضا بالقدر تمرد على الخالق ، وانزعاج نفسي لا علاج له ؛ وإذا كان من الناس من يعيب الرضا بالقدر فهي نزعة إلحاد في النفس ، والذين يشكون من المقادير ، ويتمردون عليها لا يرضون برب المقادير حكما عدلا وهو اللطيف الخبير ، السميع البصير ، والرضا بالقدر يلقى في النفس بالاطمئنان والصبر والرضا والقدرة على الاحتمال ، والاستعداد للقابل وعدم الالتفات إلى الوراء ، فمن لا يؤمن بالقضاء قصير النظر ، ومن يؤمن به متجدد الفكر ؛ نظره إلى الأمام دائما ثم قال سبحانه : وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ . الواو هنا عاطفة ؛ والمعطوف عليه فعل دل عليه ما طوى في الكلام السابق ، من معنى الدعوة إلى الصبر والاطمئنان والاستجابة للدعوة ، لتتعودوا الصبر والاطمئنان والاستجابة للدعوة ، ولتتعودوا تحمل الشدائد ولتعرفوا أن الحياة قد اختلط حلوها بمرها ، وليبتليكم . ومعنى قوله سبحانه : وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ يعاملكم معاملة المختبر لنفوسكم ، فيظهر ما تنطوى عليه فيعالج هذه الأوزار التي تظهر بما يذهب